الأزمة الاقتصادية أزمة انسانية ملامحها في أزمة مصنع "عوف هعيمك"
النائب الأستاذ مسعود غنايم
404 Not Found
النائب الأستاذ مسعود غنايم الأزمة الاقتصادية التي بدأت تعاني منها أمريكا والدول الأوروبية قبل أشهر, بدأت تشعر بها اسرائيل مؤخرا, وهذا الشعور سيزداد سوءا كما يتوقع الكثير من الخبراء. هذه الأزمة وكالعادة بدأت بالطبقات والمستويات الضعيفة, وما يعاني منه عمال مصنع "بري هجليل" وبعدهم عمال مصنع "عوف هعيمك" هو أحد الملامح البارزة لهذه الأزمة. ان الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة الاقتصادية التي يشهدها العالم هي بالأساس النظام الاقتصادي والسياسي الرأسمالي اللبرالي الذي تنتهجه الولايات المتحدة الأمريكية ودول العالم المركزية, والذي يقوم على تشجيع السوق الحرة والمبادرات الخاصة وتحكم االشركات وأصحاب رؤوس الأموال الذين لا يتعدون النسبة المئوية الضئيلة من سكان في اقتصاد هذه الدول. ان الأزمة الحالية تثبت أن المبدأ الرأسمالي اللبرالي في الاقتصاد والذي يعمل تحت شعاره (دعه يعمل دعه يمر) قد أثبت فشله. هذا النظام جعل من المجتمعات الانسانية طبقتين, الأولى غنية وقوية وتتحكم بمراكز القوة, والثانية فقيرة وضعيفة تعيش على هامش مراكز الفعل والقوة. هذا الاستقطاب نال تشجيع الأنظمة لأنها اعتمدت على الطبقات القوية في تقوية سيولتها المالية وحاجاتها كالشركات الأمريكية المختلفة التي تدعم الآلة العسكرية الأمريكية والصناعات العسكرية. الأزمة الحالية شبيهة بالأزمة الاقتصادية العالمية التي حدثت في العام 1929 والتي بدأت بانهيار بورصة نيويورك في أمريكا وامتدت بعدها الى باقي دول العالم. وسبب انتشارها في ذلك الوقت هو نفس سبب انتشارها اليوم, وهو ارتباط الاقتصاد العالمي بالاقتصاد والسوق الأمريكية, لذلك عندما حدثت الأزمة في أسواق المال الأمريكية انتقلت الى أوروبا واليابان لأنها اعتمدت على الاقتصاد الأمريكي. بعد الحرب العالمية الثانية حدثت أيضا أزمة اقتصادية عالمية هددت المجتمعات الأوروبية بالانهيار وهددت الأنظمة السياسية بالتفكك والوقوع فريسة للثوارت التي قامت بها الأحزاب الاشتراكية والشيوعية في أوروبا, وتدخلت وقتها الولايات المتحدة لانقاذ الأنظمة الأوروبية عن طريق الدعم المالي وتشجيع الاستثمارات الأمريكية في أوروبا, كان ذلك هدف مشروع ترومان ومشروع مارشال. ولكن بالأساس في جميع هذه الأزمات تدخلت الدولة في توجيه الاقتصاد وعادت لمبدأ دول الرفاه التي تدعم المواطن ولا تترك الاقتصاد فريسة للشركات الرأسمالية وأصحاب رؤوس الأموال حتى يتحكموا بالاقتصاد وبمستقبل هذه الدول. ان ظاهرة اغلاق المصانع في اسرائيل من "بري هجليل" الى "عوف هعيمك" يبرز بشكل كبير عودة النظام الرأسمالي أو النظام الاقتصادي اللبرالي الذي انتهجه وزير المالية سابقا ورئيس الحكومة القادم بنيامين نتنياهو. هذا النهج يريد أن يطور الدولة ويحدث النمو الاقتصادي عن طريق دعم وتقوية الأقوياء والأغنياء واضعاف الطبقات الضعيفة وزيادة افقارها. أصحاب هذا النهج كلما واجهناهم بنسب البطالة المرتفعة واغلاق المصانع, كانوا يبرزون مسألة النمو الاقتصادي, أي أنه على الرغم من البطالة والفقر واغلاق المصانع الا أن الاقتصاد الاسرائيلي في نمو وارتفاع. هذه بالضبط هي أزمة النظام الرأسمالي, وهناك قصة تروى عن الأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929 والقصة تقول : أحد الأولاد سأل أمه : لماذا لا تشعلين المدفأة يا أمي ؟ الأم : لأنه لا يوجد لدينا فحم. الابن : ولماذا لا يوجد فحم ؟ الأم : لأن أباك طرد من مكان عمله ولا يوجد معنا نقود. الابن : ولماذا طرد أبي من عمله ؟ الأم : لأن هناك الكثير من من الفحم في السوق. هذه القصة هي نفس قصة عمال مصنع "عوف هعيمك" الذين يهددون بالطرد من مكان عملهم واغلاق المصنع لأن السوق مليئة بالدجاج. والسؤال الذي يجب أن يوجه لأصحاب نظرية النمو والربح على الطريقة الليبرالية هو : ما الفائدة أن يمتلئ السوق بالدجاج والثمار والمنتوجات المختلفة اذا لم يجد المواطن البسيط المال لشراء الدجاج لأولاده ؟.
ان الأزمة الاقتصادية الحالية هي أزمة انسانية من الدرجة الأولى وسوف تجبر دول العالم التي كانت تتباهى بالرأسمالية وحرية السوق على العودة الى تدخل الدولة في الاقتصاد وتبني نهج دولة الرفاه الداعمة للطبقات الضعيفة وتشجيع روح التطوع لبناء الاقتصاد والدولة من جديد.